فخر الدين الرازي

68

تفسير الرازي

سوء ) * والشديد البخيل الممسك ، يقال : فلان شديدة ومتشدد ، قال طرفة : أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد ثم في التفسيري وجوه أحدها : أنه لأجل حب المال لبخيل ممسك وثانيها : أن يكون المراد من الشديدة القرى ، ويكون المعنى وإنه لحب المال وإيثار الدنيا وطلبها قوي مطيق ، وهو لحب عبادة الله وشكر نعمه ضعيف ، تقول : هو شديد لهذا الأمر وقوي له ، وإذا كان مطيقاً له ضابطاً وثالثها : أراد إنه لحب الخيرات غير هني منبسط ولكنه شديد منقبض ورابعها : قال الفراء : يجوز أن يكون المعنى وإنه لحب الخير لشديد الحب يعني أنه يحب المال ، ويحب كونه محباً له ، إلا أنه اكتفى بالحب الأول عن الثاني ، كما قال : * ( اشتدت به الريح في يوم عاصف ) * أي في يوم عاصف الريح فاكتفى بالأولى عن الثانية وخامسها : قال قطرب : أي إنه شديد حب الخير ، كقولك إنه لزيد ضروب أي أنه ضروب زيد . * ( أَفَلاَ يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِى الْقُبُورِ ) * . واعلم أنه تعالى لما عد عليه قبائح أفعاله خوفه ، فقال : * ( أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور ) * وفيه مسألتان : المسألة الأولى : القول في : * ( بعثر ) * مضى في قوله تعالى : * ( وإذا القبور بعثرت ) * وذكرنا أن معنى : * ( بعثرت ) * بعث وأثير وأخرج ، وقرئ بحثر . المسألة الثانية : لقائل أن يسأل لم قال : * ( بعثر ما في القبور ) * ولم يقل : بعثر من في القبور ؟ ثم إنه لما قال : ما في القبور ، فلم قال : * ( إن ربهم بهم ) * ولم يقل : إن ربها بها يومئذ لخبير ؟ الجواب عن السؤال الأول : هو أن ما في الأرض من غير المكلفين أكثر فأخرج الكلام على الأغلب ، أو يقال : إنهم حال ما يبعثون لا يكونون أحياء عقلاء بل بعد البعث يصيرون كذلك ، فلا جرم كان الضمير الأول ضمير غير العقلاء ، والضمير الثاني ضمير العقلاء . * ( وَحُصِّلَ مَا فِى الصُّدُورِ ) * . ثم قال تعالى : * ( وحصل ما في الصدور ) * قال أبو عبيدة ، أي ميز ما في الصدور ، وقال الليث : الحاصل من كل شيء ما بقي وثبت وذهب سواه ، والتحصيل تمييز ما يحصل والاسم الحصيلة قال لبيد : وكل امرئ يوماً سيعلم سعيه * إذا حصلت عند الإله الحصائل وفي التفسير وجوه أحدها : معنى حصل جمع في الصحف ، أي أظهرت محصلاً مجموعاً وثانيها : أنه لا بد من التمييز بين الواجب ، والمندوب ، والمباح ، والمكروه ، والمحظور ، فإن لكل واحد ومنه قيل للمنخل : المحصل وثالثها : أن كثيراً ما يكون باطن الإنسان بخلاف ظاهره ، أما في يوم القيامة فإنه تتكشف الأسرار وتنتهك الأستار ، ويظهر ما في البواطن ، كما قال : * ( يوم تلى السرائر ) * . واعلم أن حظ الوعظ منه أن يقال : إنك تستعد فيما لا فائدة لك فيه ، فتبني المقابرة وتشتري